سيد محمد طنطاوي

97

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد أن يحيى - عليه السّلام - من صفاته أنه سيكون سيدا ، أي يفوق غيره في الشرف والتقوى وعفة النفس ، بأن يكون مالكا لزمامها ، ومسيطرا على أهوائها . والصفة الثالثة : من صفاته عبر عنها القرآن بقوله : * ( وحَصُوراً ) * وأصل الحصر : المنع والحبس . يقال حصرنى الشيء وأحصرنى إذا حبسني . والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن الشهوات ، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك - زهادة منه واستعفافا ، وليس صحيحا ما قيل من أنه كان لا يأتي النساء لعدم قدرته على ذلك . قال ابن كثير : وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء : اعلم أن ثناء اللَّه على يحيى بأنه كان * ( حَصُوراً ) * معناه أنه معصوم من الذنوب ، أي لا يأتيها كأنه حصور عنها . وقيل : مانعا نفسه من الشهوات ، وقيل ليست له شهوة في النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من اللَّه - تعالى - كيحيى - عليه السّلام - ثم هي في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه : درجة عليا وهي درجة نبينا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وهدايته لهن . . والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس معناه أنه لا يأتي النساء ، بل معناه أنه معصوم من الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال : * ( هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) * كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب « 1 » . أما الوصف الرابع : من أوصاف يحيى - عليه السّلام - فهو قوله - تعالى - * ( ونَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) * وفي هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون من الأنبياء الذي اصطفاهم اللَّه لتبليغ دعوته إلى الناس ، وهذه البشارة أسمى وأعلى من الأولى التي أخبره اللَّه فيها بولادة يحيى ، لأن النبوة منزلة لا تعدلها منزلة في الشرف والفضل . ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك البشارات السارة فقال - تعالى : * ( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وامْرَأَتِي عاقِرٌ ) * أنى هنا بمعنى كيف . و « عاقر » أي عقيم لا تلد لكبر سنها من العقر وهو العقم . يقال عقرت المرأة تعقر عقرا وعقرا فهي عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة . أي قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن نادته الملائكة وبشرته بما بشرته به : يا رب كيف يكون لي غلام والحال أنني قد أدركني الكبر

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير بتصرف يسير ج 1 ص 361 .